عبد الملك الثعالبي النيسابوري

28

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

أوان الثبات والمسكة « 1 » ، فاختلست لمعة من ظلمة الدهر ، وانتهزت رقدة من عين الزمان ، واغتنمت نبوة من أنياب النوائب ، وخفة من زحمة الشوائب ، واستمررت في تقرير هذه النسخة الأخيرة ، وتحريرها من بين النسخ الكثيرة ، بعد أن غيرت ترتيبها ، وجددت تبويبها ، وأعدت ترصيفها ، وأحكمت تأليفها . وصار مثلي فيها كمثل من يتأنق في بناء داره التي هي عشه ، وفيها عيشه ، فلا يزال ينقض أركانها ، ويعيد بنيانها ، ويستجدها على أنحاء عدة ، وهيئات مختلفة ، ويستضيف إليها مجالس كالطواوس « 2 » ، ويستحدث فيها كنائس كالعرائس « 3 » ثم يقورها آخر الأمر قوراء توسع العين قرة ، والنفس مسرة . ويدعها حسناء تخجل منها الدور ، وتتقاصر عنها القصور . فإن مات فيها مغفورا له انتقل من جنة إلى أخرى ، وورد من جنة الدنيا على جنة المأوى . فهذه النسخة الآن تجمع من بدائع أعيان الفضل ، ونجوم الأرض من أهل العصر ، ومن تقدمهم قليلا وسبقهم يسيرا ، ما لم تأخذ الكتب العتيقة غرره ، ولم تفتض عذره « 4 » ، ولم ينتقص قدم العهد وتطاول المدة زبره « 5 » وتشتمل من نسج طباعهم ، وسبك أفهامهم ، وصوغ أذهانهم ، على الحلل الفاخرة الفائقة ، والحلى الرائقة الشائقة . وتتضمن من طرفهم « 6 » وملحهم لطائف أمتع من بواكير الرياحين والثمار ، وأطيب من فوح نسيم الأسحار ، بروائح الأنوار والأزهار ، ما

--> ( 1 ) المسكة - بضم الميم - الرأي ، والعقل الوافر يرجع إليه . ( 2 ) الطواوس : جمع طاووس ، وهو طائر هندي معروف يضرب به المثل في الحسن والخالة ، والطاووس أيضا : الرجل الجميل ، والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبات . ( 3 ) الكنائس : جمع كناس - بكسر الكاف - وهو هنا بيت الظبي الذي يستتر فيه وسط الشجر ، على التشبيه . ( 4 ) العذر - بضم ففتح - جمع عذرة - بالضم - وهي البكارة . ( 5 ) تقول : زبرت الكتاب أزبره زبرا - من بابي ضرب ونصر - إذا كتبته . ( 6 ) الطرف - بضم الطاء وفتح الراء - جمع طرفة وهي الشيء الطريف . ووقع في ج ، م « ظرفهم » .